مجد الدين ابن الأثير

222

المختار من مناقب الأخيار

فرفع ردائي ودسّ تحته شيئا ومضى ، فأرفع ردائي فإذا عمامة قطن جديدة قد لفّها على نعل جديدة ، فمضيت حتى لحقته خارجا من المدينة فقال : هكذا أدركت الناس يأخذون ويعطون ، انصرف بما معك « 1 » . وقال جامع بن أعين الفرّاء : وجّهني أخي إلى إبراهيم بن أدهم وهو يرعى الخيل ، وملأ جرابا من السّويق والتمر ، وأعطاني لحما مشويّا وقال : أعطه إبراهيم . وقال : أقره مني السلام . فجئته بعد العصر ، فإذا هو في الغابة ، فنظرت إلى فرسنا ، وقعدت حتى خرج إبراهيم عند اصفرار الشمس وعليه عباءة على كتفيه وجبّة صوف ، وهو شيخ ، فقالوا : قد أقبل إبراهيم . وقد رضّضوا « 2 » له كفّا من شعير وعجنوه بقشوره ، وهيئوا له منها ثلاثة أقراص ، فقمت فسلّمت عليه وأقرأته سلام أخي فقال لهم : أروه فرس أخيه يفرح . فقلت : قد رأيته ، ووضعت الجراب بين يديه . قال : وقلت : هذا هدية أخي لك . قال لأصحابه : متى جاء هذا ؟ قالوا : بعد العصر . فقال : هلّا أكلتموه ؟ ثم قال لهم : كلوا - وهو قائم - يقول : كلوا ، كلوا . فقلت لأصحابه : إنّ أخي إنما بعث بهذا إلى إبراهيم ليأكل منه ولم تتركوا له شيئا ! فقالوا : إنّ إبراهيم لا يأكل إلا ثلاثة أقراص من شعير . بملح جريش . ثم صلّى بنا العتمة ، ثم ما زال راكعا وساجدا ومتفكّرا حتى الصبح ، ثم صلّى بنا الصبح على وضوء العتمة « 1 » . وقال الفزاري « 3 » : رأيت إبراهيم بن أدهم وهو متوجّه إلى مرعش « 4 » ، فعرضت عليه نفقة كانت معي ، فقال : ما كنت أحسبك تفعل بي هذا ، ولو

--> ( 1 ) الحلية 7 / 385 ، 386 . ( 2 ) رضّضوا : من الرضّ ، وهو الدّقّ والجرش . القاموس ( رضض ) . ( 3 ) انظر ص 217 الحاشية ( 5 ) من هذا الجزء . ( 4 ) مرعش : مدينة في الثغور بين الشام وبلاد الروم . تقع اليوم شمال سورية ، إلى الشمال الشرقي من لواء اسكندرونة في تركية . انظر معجم البلدان 5 / 107 وأطلس تاريخ الإسلام ص 216 خريطة رقم ( 109 ) .